عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
4092
بغية الطلب في تاريخ حلب
عليه حتى يعلمكم أمره فاشتد عليه قيصر عند ذلك وتوعده بالقتل وجعل له الأمان على أن يحقق له الخبر عن أمره فقال لهم سابور عجبا لكم ومن طمعكم بي أن يؤثر سابور الجهد والحاجة والجوع في بلادكم على المقام في ملكه ونعمته فلم يقبلوا ذلك منه ولم يخلوا عنه حتى اعترف لهم سابور فاشتد فرح قيصر وجنوده وقالوا قد أعظم الله علينا النعمة فساق إلينا عدونا وأمكننا منه فنحن منتقمون منه ومنزلون به وبأرضه ما أجرم إلينا سابور الأول فأمر قيصر بسابور فجعل في نقرة جوفاء من جلود البقر ثم أطبق عليه وألزمه الرقباء والحفظة وسار بجنوده إلى أرض فارس ثم أرسل إليهم إني قد أخذت ملككم فأما أن تفتدوه وأما أن أقتله وأمر سابور أن كتب إلى أهل أرضه فيرسل أهل كل مدينة بما يسألهم فجعل لا ينزل بأرض إلا أخربها وجعلت الأعاجم تتقيه بكل ما قدرت عليه فكثر منه القتل والأخراب في مدائنهم وقارهم والعقر في نخلهم وشجرهم وسابور معه يسير به حيث ما توجه حتى انتهى إلى جند يسابور وكان قد تحصن جنود فارس وعظماؤهم فنصب عليهم المجانيق حتى هدم نصفها ولم يستطع دخولها فبينا هو كذلك إذا غفل حراس سابور من الروم ذات ليلة فلم يغلقوا الباب الذي كان يلقى إليه الطعام في النقرة وكانت ليلة مقمرة وكان حول النقرة ممن غنمت الروم من سبي الأهواز أناس كثير فرفع سابور رأسه وقبل ذلك ما سمع كلامهم وعرف لغتهم وكان عندهم زقاق زيت فدعا سابور بعضهم فقال خذوا من هذه الزقاق فأفرغوه على رأسي ففعل ذلك فابتل القد ولان وكان قد نحل جسمه فلم يلبث أن أسبل يديه ورجليه من الوثاق وخرج من النقرة يدب على قوائمه شبه الدابة حتى إذا جاء من باب المدينة رآه الحراس فصاحوا به فأشار إليهم أن اصمتوا وأخبرهم باسمه فعرفوا صوته ففتحوا له باب المدينة فلما دخل على أهلها اشتد سرورهم به ورفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه فاستنبه قيصر وأصحابه بأصواتاهم وظنوا أنه أتاهم مدد من ورائهم ثم قال لهم سابور استعدوا وتعبوا فإذا سمعتم صوت ناقوس الروم فاركبوا خيولكم فإذا ضرب به الثانية فواقفوهم فإني أرجو أن يفتح الله لكم عليهم ويفل حدهم ففعلوا ذلك بهم فقتلوا الروم أبرح القتل وأمرهم سابور أن يأخذوا قيصرا أسيرا ولا